الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
258
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والعذاب المقيم : عذاب الآخرة ، أي من يأتيه عذاب الخزي في الحياة الدنيا ، والعذاب الخالد في الآخرة . و مَنْ استفهامية معلّقة لفعل العلم عن العمل ، وحلول العذاب : حصوله ؛ شبه الحصول بحلول القادم إلى المكان وهو إطلاق شائع حتى ساوى الحقيقة . [ 40 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 40 ] حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ( 40 ) حَتَّى غاية ل يَصْنَعُ الْفُلْكَ [ هود : 38 ] أي يصنعه إلى زمن مجيء أمرنا ، ف إِذا ظرف مضمن معنى الشرط ولذلك جيء له بجواب . وهو جملة قُلْنَا احْمِلْ . وجعل الشرط وجوابه غاية باعتبار ما في حرف الشرط من معنى الزمان وإضافته إلى جملة الشرط ، فحصل معنى الغاية عند حصول مضمون جملة الجزاء ، وهو نظم بديع بإيجازه . و حَتَّى ابتدائية . والأمر هنا يحتمل أمر التكوين بالطوفان ، ويحتمل الشّأن وهو حادث الغرق ، وإضافته إلى اسم الجلالة لتهويله بأنّه فوق ما يعرفون . ومجيء الأمر : حصوله . والفوران : غليان القدر ، ويطلق على نبع الماء بشدة ، تشبيها بفوران ماء في القدر إذا غلي ، وحملوه على ما جاء في آيات أخرى من قصة نوح - عليه السّلام - مثل قوله : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [ القمر : 12 ] . ولذلك لم يتضح لهم إسناده إلى التنور ، فإن التنور هو الموقد الذي ينضج فيه الخبز ، فكثرت الأقوال في تفسير التنور ، بلغت نسبة أقوال منها ما لا ينبغي قبوله . ومنها ما له وجه وهو متفاوت . فمن المفسرين من أبقى التنور على حقيقته ، فجعل الفوران خروج الماء من أحد التنانير وأنه علامة جعلها اللّه لنوح - عليه السّلام - إذا فار الماء من تنوره علم أن ذلك مبدأ الطوفان فركب الفلك وأركب من معه . ومنهم من حمل التنور على المجاز المفرد ففسره بسطح الأرض ، أي فار الماء من جميع الأرض حتى صار بسطح الأرض كفوهة التنور . ومنهم من فسره بأعلى الأرض .